نذير حمدان
15
حكمة القرآن والحضارة
الحكيم أو الفيلسوف ، ومن يتصرف بسلوكياته من خلالها ومن مقتضياتها وآدابها ، وبخاصة من كان في تفكيره عمقا وفي كلامه نبوغا وجدة وفي سلوكه التعقل والحلم وحسن التصرف فهو الحكيم أو الفيلسوف ، ومن كان ذا اختصاص بالرياضيات أو الطبّ أو المنطق مبدعا فيها متمذهبا لمذهب سابق أو مبتكرا له ، سائرا على مذهب أستاذه مع تعديل أو تبديل أو معاكسا له مع جودة رأي وإبداع علم فهو الحكيم أو الفيلسوف . فإن أيّ مجلس ينشر فيه العلم النافع فهو مجلس حكمة ، وإن أيّة كلمة نافعة تستوعب موقفا أو سلوكا متميزا فهي حكمة . وإن أيّ مؤلف يسمو بأفكاره ومعارفه إلى الإبداع الفكري والمعرفي فهو حكمة ، ولا فرق عندئذ في أن يصرّح بمصطلح الحكمة أو الفلسفة أو لم يصرح بهما . فالدّارميّ ومالك وابن عبد البرّ وغيرهم مثلا يدمجون الحكمة في كتاب ( العلم ) ويجعلونها من فروعه ومن معانيه وفضائله . مثلا روي عن وهب بن منبّه قال : إن الحكمة تسكن القلب الوادع الساكن « 1 » . وستأتي أحاديث أخرى : بينما يخصّ ابن ماجة باب ( الحكمة ) في جزء من كتاب الزهد ويسوق في هذا الباب أحاديث خالية من لفظ الحكمة ولكنها في عقلانيتها ، إنها الحكمة العملية نتاج الفكر الفذّ والرؤية الشمولية والنظرة العامة . فالصحة والفراغ حالتان عامتان ، وإن من الحكمة الحفاظ عليهما بسلوكية حكيمة . قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصّحة والفراغ « 2 » . ومن أهمها تعلم الآداب الشاملة بألفاظ موجزة عامة . وهو مما يحرص على طلبه المسلمون .
--> ( 1 ) الدارمي : علم ، صيانة العلم 1 / 143 . ( 2 ) ابن ماجة : الحكمة ( 4170 ) . ومعنى مغبون فيهما : أي ذو خسران فيهما ، قال ابن الخازن : النعمة ما يتنعم به الإنسان ويستلذه ، والغبن أن يشتري بأضعاف الثمن ، أو يبيع بدون ثمن المثل ، فمن صح بدنه ، وتفرّغ من الأشغال العائقة ، ولم يسع لصلاح آخرته ، فهو كالمغبون في البيع ، والمقصود بيان أن غالب الناس لا ينتفعون بالصحة والفراغ ، بل يصرفونهما في غير محالّهما فيصير كل واحد منهما في حقهم وبالا ، ولو أنهم صرفوا كل واحد منهما في محلّه لكان خيرا لهم أيّ خير .